ابن ميثم البحراني

128

شرح نهج البلاغة

أي لكونها رجالا ، وإنّما حكَّمنا القرآن لكن لمّا كان القرآن لابدّ له من ترجمان يبيّن مقاصده ، ودعانا القوم إلى حكم القرآن ولم نكن نحن الفريق الكاره لكتاب اللَّه ، المتولَّي عنه بعد أمره تعالى بالرجوع إليه وإلى رسوله في الكتاب والسنّة فيما اشتبه أمره بقوله « فَإِنْ تَنازَعْتُمْ » الآية . فإذا حكم بالصدق عن علم بكتابه فنحن أحقّ الناس به : أي أولاهم باتّباعه وأولاهم بأن ينصّ على كون الأمر لنا كما في قوله تعالى « وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . إلى قوله : « وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » ( 1 ) وظاهر كون أولئك بعد عقد الإمامة بغاة عليه فوجب بنصّ الكتاب قتالهم ، وكذلك الآيات الدالَّة على وجوب الوفاء بالعهود والعقود وكان هو أولى بالحقّ الَّذي يجب قتالهم عليه فكان الحاكم لهم مخطئا مخالفا لكتاب اللَّه غير عامل به فوجبت مخالفة حكمه ، وإن حكم بسنّة رسول اللَّه فنحن أولى الناس برسول اللَّه للقرابة وللعمل بسنّته لموافقتها الكتاب ونصّه على وجوب متابعة الإمام العادل فكان الحاكم لغيره مخالفا للسنّة أيضا . فصارت خلاصة هذا الجواب أنّا لم نرض بتحكيم الرجلين ولكن بتقدير حكمهما بكتاب اللَّه الَّذي هما ترجمان عنه وهو الحاكم الَّذي دعانا الخصم إليه وحيث خالفاه لم يجب علينا قبول قولهما . وقوله : وأمّا قولكم . إلى قوله : لأوّل الغيّ . فتقدير سؤال آخر لهم مع جوابه ، وذلك أنّهم حين اتّفقوا على التحكيم كتبوا كتاب الصلح وضربوا لحكم الحكمين أجلًا مدّة سنة ، وصورة الكتاب : هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضى عليّ بن أبي طالب على أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين ، وقاضي معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام ومن كان من شيعته من المؤمنين والمسلمين إنّما ننزل عند حكم اللَّه تعالى وكتابه ولا يجمع بيننا إلا إيّاه ، وإنّ كتاب اللَّه سبحانه بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيى ما أحيى القرآن ونميت ما أمات القرآن . فإن وجد الحكمان ذلك في كتاب اللَّه اتّبعاه ، وإن لم يجداه أخذا بالسنّة العادلة غير المفرّقة ،

--> ( 1 ) 49 - 9 .